ظواهر

الاحتراق البشري التلقائي

اقرأ في هذا المقال
  • لأكثر من قرن، ادعى البعض أن الناس يمكن أن يحترقوا فجأة وبشكل غير مفهوم حيث تسمى هذه الظاهرة بالاحتراق البشري التلقائي (SHC)، وقد تم وصفها في العديد من الكتب الشعبية على أنها لغز لم يتم تفسيره إلى الآن.

يعد مصطلح “الاحتراق البشري التلقائي” حديث العهد إلى حد ما، على الرغم من كونه مصدرًا حقيقيًا للقلق بالنسبة للكثير من الناس الذين عاشوا خلال فترة القرن التاسع عشر.

في الواقع، هناك ما يقرب من اثنتي عشرة إشارة إلى أناس اشتعلت فيهم النيران بشكل غامض في روايات ما قبل عام 1900، وأشهر مثال على ذلك هو رواية تشارلز ديكنز “البيت الكئيب” التي كُتبت عام 1853، والتي تحترق فيها إحدى الشخصيات بالنار، يمكن العثور على هذه الظاهرة أيضًا في أعمال مارك توين، هيرمان ميلفيل، واشنطن إيرفينج وآخرين، والجدير بالذكر أن الحديث عن ظاهرة الاحتراق البشري التلقائي قد عاود الظهور في العصر الحديث في الكثير من الأعمال الفنية مثل الأفلام والبرامج التلفزيونية، بما في ذلك The X-Files. وعلى الرغم من ذكر هذه الظاهرة بشكل متكرر في الأفلام والروايات وقصص الخيال العلمي إلّا أن احتمال كونها ظاهرة حقيقية هو احتمال وارد!

حادثة الدكتور بنتلي ونظرية الاحتراق البشري التلقائي

نظرية الاحتراق البشري التلقائي
نظرية الاحتراق البشري التلقائي

في الخامس من ديسمبر 1966، اكتشفت الشرطة جثة الدكتور جيه إيرفينغ بنتلي البالغ من العمر 92 عامًا في منزله الواقع في ولاية بنسلفانيا الأمريكية، في الواقع، تم العثور على جزء صغير من ساق وقدم الدكتور بنتلي وقد احترق باقي جسده وتحول إلى رماد في حمّام منزله. لم يجد المحققون أي آثار للحريق في منزل الدكتور بنتلي باستثناء جزء صغير من رداءه الذي كان يلبسه وقت الحادث.

كيف يمكن للنيران أن تشتعل في الرجل ثم تحرقه تمامًا دون أن يشتعل كل شيء من حوله؟ في البداية، تم تحديد وفاة بنتلي على أنها حادثة مؤسفة نتيجة إهماله و ذلك لأن الدكتور بنتلي المسن كان مدمنًا على تدخين غليونه وكان معتادًا على حمل أعواد الثقاب في جيوب رداءه، وعند مراجعة مكان الحادث، خرج الطبيب الشرعي باستنتاج مبدئي مفاده أن بنتلي كان قد نام أثناء التدخين في الحمام وأنه تم حرقه حياً بعد أن اشتعلت النيران في بعض ملابسه.

لكن بعد الدراسة و التحليل المتعمق لهذه الحادثة، خرج بعض المحققين بنظرية قدمت حالة بنتلي والعديد من الحالات الأخرى المشابهة لها كأمثلة على حالة نادرة تسمى بالاحتراق البشري التلقائي (SHC)، حيث استندوا في نظريتهم على عدم منطقية التحليل الذي خرج به الطب الشرعي، بسبب انه لا يمكن لشخص نائم أن يحترق بشكل كامل دون أن يصحو من نومه أثناء احتراقه، بالإضافة إلى أن حادثة الدكتور بنتلي تشبه عددًا لا بأس به من الحوادث التي أصابت ضحايا آخرين لهذه الظاهرة، حيث وجدوا محترقين بالكامل تقريبًا، إلا أن محيطهم لم يصب بأي أذى يذكر.

هل يمكن للبشر أن يتم حرقهم بشكل تلقائي؟ يعتقد الكثير من الناس أن الاحتراق البشري التلقائي هو حدث حقيقي، لكن معظم العلماء غير مقتنعين بذلك وفي هذا المقال ، سوف نلقي نظرة على هذا الجدل الغريب ، ونرى ما يقوله المؤيدون عنه ونحاول فصل الحقيقة العلمية عن الأساطير.

الجدل العلمي حول الاحتراق البشري التلقائي

الجدل العلمي حول الاحتراق البشري التلقائي
الجدل العلمي حول الاحتراق البشري التلقائي

يحدث الاحتراق التلقائي عندما يحترق الجسم بسبب تفاعل كيميائي داخلي دون أن يشتعل بواسطة مصدر حرارة خارجي. يرجع الفضل في ظهور هذه النظرية لأول مرة إلى عالم التشريح الدنماركي توماس بارثولين الذي قام بكتابة أول الكتب عن الاحتراق البشري التلقائي في عام 1663، حيث وصف بارثولين كيف أن امرأة في باريس “طافت في الرماد والدخان” خلال نومها ولم يجد المحققون أي آثار احتراق على فراش القش الذي كانت تنام عليه. في عام 1673، قام الفرنسي جوناس دوبون بنشر مجموعة من حالات الاحتراق البشري التلقائي في كتابه الذي سماه “الحرق الذاتي لجسم الإنسان” (De Incendiis Corporis Humani Spontaneis).

نظرًا لأن جسم الإنسان يتكون في الغالب من الماء والأنسجة القابلة للاشتعال فيه هي الأنسجة الدهنية فقط بالإضافة إلى غاز الميثان، فإن احتمال كون الاحتراق الذاتي ظاهرة فعلية يبدو بعيدًا. يرفض العديد من العلماء هذه النظرية، بحجة أن مصدر اللهب غير المعروف مثل عود ثقاب أو سيجارة هو الجاني الحقيقي في الحالات المشتبه فيها لأنه عادة ما يتم العثور على الضحايا المتوفين بالقرب من مصدر حريق، حيث تشير الأدلة الجنائية إلى أن العديد منهم أضرموا النار في أنفسهم عن طريق الخطأ أثناء التدخين أو محاولة إشعال اللهب.

من ناحية أخرى، يشير آخرون إلى حقيقة مهمة وهي أن جسم الإنسان يجب أن يصل إلى درجة حرارة تقارب 3000 درجة مئوية حتى يتحول إلى رماد، مما يسبب احتراق أي شيء قريب من الجسم المحترق مثل الأثاث و الأرضيات و غيرها. لذلك، فإن الاحتراق الذاتي هو التفسير المنطقي الوحيد على تحول جسم بشري إلى رماد يدون أن يحترق أي شيء في المكان المحيط به.

تشمل الأسباب المقترحة لظاهرة الاحتراق الذاتي العديد من العوامل، أهمها البكتيريا والكهرباء الساكنة والسمنة والإجهاد لكن الأكثر ثباتًا بين هذه العوامل هو الاستهلاك المفرط للكحول، وعلى الرغم من ذلك، لم يتم إثبات أي من هذا بالعلم حتى الآن.

جاء عالم الأحياء البريطاني بريان جيه فورد بإحدى الفرضيات الحديثة عن الاحتراق البشري التلقائي، حيث وصف في أغسطس 2012 تجاربه مع هذه الظاهرة في مجلة نيو ساينتست. أفادت نظرية فورد أن تراكم الأسيتون في الجسم (والذي يمكن أن ينتج عن إدمان الكحول أو مرض السكري أو نوع معين من الأنظمة الغذائية) يمكن ان يؤدي إلى الاحتراق التلقائي.

عوامل مشتركه بين ضحايا الاحتراق البشري الذاتي

عوامل مشتركه بين ضحايا الاحتراق البشري الذاتي
عوامل مشتركه بين ضحايا الاحتراق البشري الذاتي

تلقى الموضوع اهتمامًا كبيرًا في المجلة الطبية البريطانية في عام 1938. اختص المقال بقلم L. A. Parry والذي نشر في عام 1823 بذكر القواسم المشتركة بين الحالات المسجلة للاحتراق البشري التلقائي ومنها:

  • الضحايا كانوا يعانون إدمانًا مزمنًا على الكحول.
  • معظم الضحايا كانوا من الإناث المسنات.
  • أغلبية حالات الاحتراق كانت لأناس كانوا على مقربة من مواد مشتعلة.
  • الأجزاء التي تحترق بالعادة هي اليدين والقدمين.
  • يتسبب الحريق في أضرار طفيفة جدًا للأشياء القابلة للاحتراق التي تلامس الجسم المحترق.
  • ترك احتراق الجسم بقايا رماد دهني القوام ذو رائحة كريهة للغاية.
  • يعد إدمان الكحول موضوعًا شائعًا في المراجع الأدبية المبكرة لحالات الاحتراق، ويرجع ذلك جزئيًا إلى اعتقاد بعض الأطباء والكتاب في العصر الفيكتوري بأن الاحتراق البشري التلقائي هو نتيجة لإدمان الكحول.

الإجماع العلمي هو أن الحوادث التي قد تظهر على أنها احتراق تلقائي كان لها مصدر خارجي للاشتعال، وأن الاحتراق البشري التلقائي بدون وجود مصدر اشتعال خارجي غير معقول حيث تم تقديم فرضيات علمية زائفة تحاول شرح كيفية حدوث الاحتراق بدون مصدر لهب خارجي.

يلقي بنجامين رادفورد، الكاتب العلمي ونائب رئيس تحرير المجلة العلمية سكيبتيكال إنكوايرر، بظلال من الشك على معقولية الاحتراق البشري التلقائي حيث قال: “إذا كان الاحتراق البشري التلقائي ظاهرة حقيقية فعلًا وليس مجرد نتيجة طبيعية لاقتراب شخص مسن أو عاجز من مصدر للهب، ما هو السبب وراء عدم حدوث هذه الحالات بشكل متكرر؟ هناك 5 مليارات شخص في العالم اليوم ومع ذلك لا نرى تقارير عن أشخاص اشتعلت فيهم النيران أثناء سيرهم في الشارع، أو حضور مباريات كرة القدم، أو احتساء القهوة في مقهى المحلي.

تفسيرات منطقية

تفسيرات منطقية للاحتراق البشري التلقائي
تفسيرات منطقية للاحتراق البشري التلقائي
  • تشمل جميع الحالات المفترضة لحالات الاحتراق البشري التلقائي تقريبًا أشخاصًا يعانون من ضعف الحركة بسبب تقدم العمر أو السمنة، إلى جانب اعتلال الصحة. يُظهر الضحايا احتمالية كبيرة للموت أثناء نومهم، أو عدم قدرتهم على الحركة بمجرد اشتعال النيران.
  • غالبًا ما تُعتَبر السجائر أنها مصدر الحريق في مثل هذه الظاهرة، حيث يتسبب التخلص غير السليم من مواد التدخين في وفاة واحدة من بين كل أربع حرائق في الولايات المتحدة. قد تؤدي الأسباب الطبيعية مثل النوبات القلبية إلى موت الضحية، وبالتالي إسقاط السيجارة، والتي يمكن أن تشعل ملابس الضحية بعد فترة من الاحتراق.
  • اقترح بريان جيه فورد ان هذه الظاهرة قد تكون ناجمة عن إدمان الكحول أو اتباع نظام غذائي منخفض الكربوهيدرات، مما يؤدي إلى تراكم الأسيتون، وهو مادة سريعة الاشتعال وبالتالي يمكن أن تؤدي إلى احتراق تلقائي.
  • في بعض الأحيان تكون هناك تفسيرات معقولة للوفيات، لكن المؤيدين يتجاهلون التشريح الرسمي والأدلة المتناقضة لصالح الروايات القصصية والشهادات الشخصية.

تنص فرضية تسمى “تأثير الفتيل” إلى أن أي مصدر خارجي للهب مهما كان صغيرًا -لهب سيجارة مثلًا- سيتمكن من حرق ملابس الضحية، وعلى إثر هذا الحرق، يتفسّخ الجلد بحيث تخرج الدهون الموجودة تحته، والتي يتم امتصاصها في الملابس المحترقة مما يساعد على استمرارية هذا الاحتراق بسبب توفر الوقود (الدهون).

تم اختبار هذه الفرضية بنجاح باستخدام أنسجة الخنازير وهي متوافقة مع الأدلة المسترجعة من حالات الاحتراق البشري حيث يمتلك جسم الإنسان عادةً ما يكفي من الطاقة المخزنة في الدهون ومخازن المواد الكيميائية الأخرى لاحتراق الجسم بالكامل، حتى الأشخاص النحيفون لديهم عدة أرطال من الدهون في أنسجتهم وهذه الدهون بمجرد تسخينها بواسطة الملابس المحترقة ، تتسرب إلى الملابس مثلما يتم سحب الشمع في فتيل الشمعة المضاءة، مما يوفر الوقود اللازم للحفاظ على الفتيل مشتعلًا. كما أنه من الممكن للبروتين الموجود في الجسم أن يحترق، ولكنه يوفر طاقة أقل من الدهون، و يكون الماء الموجود في الجسم هو العائق الرئيسي للاحتراق. مع ذلك، فإن الاحتراق البطيء، الذي يستمر لساعات، يمنح الماء وقتًا كافيًا ليتبخر.

نظريات بديلة

نظريات بديلة لتفسير الاحتراق البشري التلقائي
نظريات بديلة لتفسير الاحتراق البشري التلقائي

بناءً على ما كتبه أرنولد في كتابه، فأن قابلية احتراق جسم الإنسان يمكن أن تزداد بتوفر ظروف معينة، ومنها زيادة نسبة الكحول في الدم، واقترح أن الإجهاد والإرهاق الشديدين يمكن أن يكونا دافعًا رئيسيًا لبدأ العديد من عمليات الاحتراق مع عدم اشتراط ان تستخدم هذه العملية أي أكسجين خارجي لتتمكن من الانتشار في جميع أنحاء الجسم. قام الباحث جو نيكيل بانتقاد الفرضيات التي جاء بها أرنولد حيث قال انها تستند إلى حجج غير واقعية وأدلة انتقائية.

في كتابه “النار من السماء” الذي نُشر عام 1976، اقترح الكاتب البريطاني مايكل هاريسون أن الاحتراق الذاتي مرتبط بنشاط الأرواح الشريرة ووصف هذه الظاهرة بأنها عباره عن روح شريرة تنشأ في الإنسان وتسبب الاحتراق الذاتي له. و في نظرية أُخرى، اقترح جون أبراهامسون أن البرق الكروي يمكن أن يفسر الاحتراق البشري التلقائي حيث قال: “تفحم الأطراف البشرية الذي شوهد في عدد من حالات الصواعق الكروية يوحي بشدة أن هذه الآلية قد تكون حدثت أيضًا عندما تحترق أطراف الضحايا”.

الخاتمة

لا يزال العلم عاجزًا عن تقديم تفسير علمي ومنطقي لتفسير هذه النظرية، مما دفع الكثير من العلماء للجزم بكونها حادثة تنجم عن ممارسات فردية يتم تفسيرها بطريقة خاطئة من قبل المحققين، لكن يبقى السؤال المطروح: هل هذه الظاهرة حقيقية فعلًا؟ وإذا كانت حقيقية كما يزعم الكثيرون، ما هو سبب عدم توثيق حوادث جديدة عن افراد احترقوا ذاتيًا؟

أخبرنا عن رأيك في التعليقات، وإذا اعجبك هذا المقال لا تنسى أن تشاركه مع اصدقائك على فيسبوك، انستجرام وتويتر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى